رعايانــــا

     
 

معايدة المدبر البطريركي لكهنة وابناء رعايا الأبرشية في الوطن والمهجربمناسبة اياد الميلاد ورأس السنة    العبث بمقابر الأساقفة والكهنة في مطرانية حمص وحماه والنبك وتوابعها للسريان الكاثوليك، من المسلحين    عيد القديسة بربارة في كنيسة قلب يسوع االأقدس-فيروزة    أحد زيارة العذراء مريم لنسيبتها أليصابات – أحد آخر مختلف للأب إياد الياس غانم    رسالة المدبر البطريركي الخور أسقف فيليب بركات إلى أبناء الأبرشية +الرقيم البطريركي    رسالة المدبر البطريركي الخور أسقف فيليب بركات إلى الأبرشية + الرقيم البطريركيإخوتي الكهنة الأفاضل، أخواتنا الراهبات الفاضلات، وأبناء رعايانا الأعزاء في الوطن والمهجر نحييكم تحية المحبة والتقدير، وسلام يسوع المسيح، وشفاعة أمنا مريم العذراء، راجيين للجميع ك    أحد بشارة العذراء مريم ـ أحد ليس ككل الآحاد للأب إياد الياس غانم    أحد بشارة زكريا للأب إياد الياس غانم    أحد تجديد البيعة للأب إياد الياس غانم - الثياب القدسية المختصة بخدمة الليتورجية    سنة طقسيّة جديدة للأب إياد الياس غانم    مرسوم بطريركي بتعيين الخور اسقف فيليب بركات مدبرا بطريركيا    الأحد السابع بعد الصليب للأب إياد الياس غانم    وصول جثمان المثلث الرحمات مار ثيوفيلوس جرجس كساب إلى مسقط رأسه زيدل    نعي المثلث الرحمات مار ثيوفيلوس جرجس كساب    نعوة المثلث الرحمات مار ثيوفيلوس جرجس كساب    

 
دير مار اليان الشيخ في صحراء القريتين

دير مار اليان الشيخ – في صحراء القريتين

تاريخ وجغرافية المنطقة:

القريتين  مدينةٌ قديمة ترقى إلى نحو الألف الثالث قبل المسيح.ودعيت بهذا الاسم لأنها تعني المدينتان الأولى  واسمها الآرامي "حصر عينان" وتعني مجمع العيون  أما اسمها الأقدم كما يقول بعض المؤرخين وهو سومري " نُزالة" أما في زمن الرومان فقد دعيت "قِرّادى", والثانية اسمها الآرامي "عيناتا" وتعني عين الماء .

تقع مدينة القريتين في قلب البادية السورية، على الطريق بين دمشق جنوباً وبالميرا(تدمر) في الشمال الشرقي, مروراً بقصر الحير الغربي والسد الروماني "خربقة". ومن جهة الغرب حوارين وحمام أبو رباح وصدد إلى مدينة حمص. وهي تشكل محطة هامة في الطريق لقوافل التجار والحجاج العابرين على هذا الطريق بين بلاد ما بين النهرين والبحر المتوسط، الكتابات التي وجدت في حفريات مدينة ماري والتي نعود على العام 2500-2600 ق.م تحدثنا عن تجارة تمر عبر القريتين من جزيرة قبرص ومصر نحو الغرب عبر مدينة "قطنة" شمال حمص حتى ماري في الشمال، ثم تتجه إلى الشرق. إن غزارة ينابيع المياه الطبيعية العذبة والتي تجاوز عددها الاثنان والعشرون نبع ماء كانت العنصر الأساسي لنشأة الحضارة واستيطان الإنسان فيها، ما تبقى من هذه الينابيع التي جفت رويداً رويداً في النصف الثاني من القرن العشرين هو واحةٍ طبيعية من ينابيع ماء تشكل بحيرةً صغيرة تحيط بها غابة من أشجار متنوعة وهي ما نسميها اليوم بـ"وادي العين"، ومنها تجري المياه عبر قنوات نظمها الفلاحين لتسقي أراضيهم التي زرعت منذ قديم الزمان واشتهرت بكرومها و سيجت بالرمان والتين. ولا يزال الفلاحين في المنطقة ينظمون توزيع الحصص للماء على الحساب الروماني.  

حصر عينان تشاهد اليوم تلاً أثرياً لم تمسه الأيدي بعد والمديرية العامة للآثار والمتاحف بدمشق  لها الرغبة الجديّة في تشكيل بعثة للقيام بمخيمات لأعمال التنقيب في هذا التل والمتوقع أن هذا التل تكوّن من تتابع حضارات توالت على المنطقة منها رومانية وبيزنطية إذ نجد على سطحه بقايا بناء يبدو رومانياً يعود إلى القرن الثاني الميلادي، وفي أسفل التل بقايا حجارة ضخمة تشكل سوراً يحيط به.

القريتين سكنها منذ القديم قبائل آرامية من رعاة الغنم إلى جانب قبائل أخرى عربية. وقد ورد ذكر القريتين باسم "حصر عينان" في الكتاب المقدس سفر العدد(34/7-9)" يكون لكم التخم الشمالي من البحر الكبير تخطون حدّاً إلى جبل هور ومن جبل هور تخطون حدّاً إلى مدخل حماة وينفذ إلى صدد ثم يخرج إلى زفرون وينتهي عند حصر عينان" , كما في سفر حزقيال (48/1)" وتمتد من البحر بطريق حتلون إلى ليبو حماة وحصر عينون من جهة دمشق نحو الشمال قبالة حماة".

كان أهل المنطقة من الوثنيين عبدة إله الشمس" بلّ- حدد". ثم اعتنقوا النصرانية منذ فجر المسيحية على يدّ توما الرسول الذي مرَّ منها في طريقه إلى الهند ومما يدل على ذلك وجود أقدم كنيسة على اسمه ورد ذكرها في بعض الكتابات المخطوطة منذ القرن التاسع الميلادي. وبقي شعب المنطقة كلها محافظاً على إيمانه المسيحي حتى في عهد الإسلام الذي أوصى بحماية المؤمنين و...وهناك شاهد حجري يشكل العتبة العليا الداخلية لبوابة دير مار يوليان الأثري، عليها كتابة عربية بالخط الكوفي تعود إلى سنة 387 هـ في عهد الخليفة سيف الدولة الحمداني، ومضمونها تحذير البدو وكل من يريد إلحاق الأذى برهبان الدير العامر في ذلك الوقت وزوّاره.

 في القرن الخامس الميلادي كانت القريتين أسقفية وكانت تابعة لبطريركية أنطاكية وحضر أسقفها المجمع الخلقدوني سنة 451م.

دير مار اليان شاهد كما وبقايا الخرب لكنائس أو مواقع مسيحية مثل حوارين التي نجد فيها سبع كنائس ودير تعود إلى حوالي القرون الخامس-السادس الميلادي، إلى أهمية الوجود المسيحي منذ القرون الأولى للمسيحية في المنطقة. هذا الوجود مستمر حتى اليوم في مدينة القريتين وصدد والحفر والفحيلة. وجود لمسيحيين سريان (أرثوذكس وكاثوليك). في القريتين يشكل المسيحيون نسبة8% من عدد السكان الحالي للمدينة الذي يزيد على عشرون ألف نسمة.

سيرة القديس اليان و تاريخ الدير:

          المصادر الأهم التي تعرفنا على حياة القديس اليان الشيخ هي أناشيد للقديس أفرام السرياني وهو أحد تلامذة مار اليان إذ كتب أربعة وعشرين ميمراً في مديح معلمه. وسيرة القديس اليان الرهاوي كتبها المؤرخ تيودورس القورشي في كتابه تاريخ أحباء الله ويعود إلى القرن الخامس الميلادي.

          ولد القديس اليان في منطقة الرها - أورفة الحالية، وهي من أعمال تركية حالياً في القرن الرابع الميلادي، اشتهر بنسكه وصومه وعزلته في أحد الكهوف من جبال الرها جمع حوله ما يزيد عن المائة رجل ليعيشوا على مثاله حياة نسك وتعبد. اشتهر كثيراً بصنع المعجزات من شفاء للمرضى وإقامة الأموات باسم الرب يسوع الناصري. وكان كل سنة يذهب مع بعض تلاميذه في بداية الصوم الأربعيني (بداية الربيع) في رحلة حج يقطعون البادية سيراً على الأقدام مدة أربعين يوماً وأربعين ليلة ليصلوا مع المسيح إلى أحد الشعانين ويدخلوا معه إلى القدس الشريف. فيحتفلوا مع الكنيسة هناك بأسبوع الآلام الخلاصية والقيامة ثم يعودوا إلى مناسكهم. وفي إحدى السنوات شاء القديس الجليل متابعة الطريق مع تلاميذه نحو سيناء حيث أنزل العلي القدير لوحي الوصايا على النبي موسى، فصعدوا الجبل وهناك رغب القديس وتلاميذه ببناء كنيسة لله وتم ذلك ولا تزال الكنيسة قائمة حتى اليوم.

          وما إن دنت المنية من القديس حتى جمع تلاميذه وأوصاهم ألا يضعوه في قبر بجوارهم إنما يضعوه على عربة تجرها الدواب وحيث ينتهي الطعام يتركوا الجثمان في الأرض ويعودوا إلى مناسكهم وكان إذ رقد في الرب سنة +364م وكان ذلك بجوار مدينة القريتين حيث توقفت العربة فدفن الرهبان أباهم الروحي بكل تأثر وخشوع وعادوا إلى ديارهم إلا أنهم ما لبثوا أن عادوا مروراً بجوار حلب حيث حملوا معهم قبراً من حجر رخام روماني النحت ووضعوا فيه جثمان قديسهم وبنوا كنيسة صغيرة حول قبر القديس لا تزال قائمة حتى اليوم. ثم ابتنوا لهم ديراً سكنوا فيه وكانت الانطلاقة لحياة رهبانية.

          شهد الدير مع الزمن ازدهاراً كبيراً حيث كان الرهبان يركزون أولياتهم حول الصلاة والزهد في أمور الدنيا، كما كانوا يهتمون باستقبال الزوار والحجاج وقوافل التجار كانوا يتخذون من الدير محطة هامة تشكل واحة راحة ليس فقط للجسد إنما أيضاً للنفس.

          نشأت الدير في هذا المكان ارتبط أيضاً بوجود الماء في المنطقة مما ساعد الرهبان على العمل في الأرض وزراعة الكروم وغيرها.

          انطلاقاً من القرن الحادي عشر الميلادي نلاحظ في الدير تحولاً كبيراً فجماعة كثر عدد الرهبان ومنهم من انتخبته الكنيسة المقدسة ليكون أسقفاً وحتى بطريركاً. وتوسع بناء الدير إذ أضيف له قسماً جديداً ومن الممكن أن جرى ترميمات لباقي الأماكن والكنيسة ونشأت مدرسة نسخ المخطوطات التي نجد البعض القليل منها في بعض المكتبات العالمية.

          حوالي القرن الثامن عشر هجر الدير كلياً من الرهبان، إلا أن الدير بقي واحة صلاة وراحة لأبناء القريتين من مسيحيين ومسلمين، وكذلك لكثير من الحجاج الذين يقصدون الدير ليتباركو من ضريح القديس.

          سنة 1938 شيدت كنيسة جميلة ومعبرة فوق ضريح القديس من حجارة النحيت واللبن. وفي السبعينات من القرن العشرين ابتنت الرعية ثلاثة غرف من الحديد والاسمنت لخدمة استقبال الزوار والضيوف الذين يأتون من بعيد لقضاء عدة أيام من الصلاة ولإيفاء نذورهم. 

          سكن الدير بعض عائلات الرعية بغاية الاهتمام بأرزاق الدير من المزروعات حتى سنة 1978م حيث جفت "قناة الدير" وبذلك ماتت الكروم بسبب التصحر وقلة الأمطار. هجر الدير.

 

إعادة الحياة لدير مار اليان:

          سنة 1996 شهد الدير فجر ولادة جديدة بفضل الإرادة الطيبة لراعي الأبرشية آنذاك المطران مار باسيليوس موسى الأول داود الذي غدا رئيس مجمع الكنائس الشرقية في روما بعد ذلك. حيث وضع مشروعاً متكاملاً لإعادة تأهيل الدير والأراضي وجعله من جديد واحة خضراء تجدد في نفوس أهل المنطقة الرجاء وتجذبهم للصلاة والراحة. فقام خلال السنين الأولى بحفر بئر ماء وإيصال الكهرباء للدير كما قام بمشروع زراعة عدد من أشجار الزيتون واللوز في الأراضي المحيطة بالدير والكثير من الأشجار الحراجية، وكل ذلك تحقق أيضاً بفضل حماس لجنة الرعية التي شكلها لتكون قلب هذا المشروع الحيوي.

          فتح من جديد باب الدير وأصبح هتاك من يستقبل الزوار الآتين من بعيد ومن قريب.

          سنة 2000م خطوة جديدة هامة حدثت عندما طلب سيادة المطران مار ثيوفيلس جرجس كساب من جماعة دير مار موسى الرهبانية في برية النبك الاهتمام بمتابعة مشروع الدير والاهتمام بالرعية وذلك بالاتفاق مع لجنة الرعية المؤلفة من خمسة أشخاص يمثلون العائلات الخمس الكبرى في الرعية ويتوزعون المسؤوليات حسب حاجات ومتطلبات الرعية.

          دير مار موسى هو جماعة مؤلفة من رهبان وراهبات يعيشون في دير قابع في جبال شرقي مدينة النبك يجددون فيه خبرة آباء البرية في عيش العلاقة مع الله والنسك. حيث أسسوا خبرتهم حول ثلاثة قواعد: الصلاة، الضيافة، العمل. المطعمة بنداء ورغبة في الحوار الروحي مع المسلمين. مسيحيو مدينة القريتين يعيشون جنباً إلى جنب مع إخوتهم المسلمين منذ عدة قرون ويتقاسمون فيما بينهم كل ظروف الحياة ويتشاركون في كل المناسبات الاجتماعية.

          الأب الراهب يعقوب مراد وهو أحد رهبان دير مار موسى منذ عام 1991، انتدب من قبل الجماعة الرهبانية وبموافقة وبركة راعي الأبرشية ليكون خادماً لرعية القريتين ومسؤولاً عن متابعة مشاريع إعادة إحياء دير مار اليان. رعية القريتين تعد حوالي 320شخص مقيمين في المدينة.

          خلال السنوات الخمس بين سنة2000-2005م تم المباشرة بالعديد من المشاريع الهامة إن في الدير أو في الرعية. فتنظم مشروع التنقيب بتشكيل بعثة مشتركة سورية-بريطانية تقوم بأعمال الحفريات كما ووضعنا نواة لمتحف في الدير القديم مرتبط بكل ما وجد من اللقى الأثرية. كما توسع المشروع الزراعي مع إنشاء مختبر زراعي...  في السنة الماضية أنجزنا ترميم مبدئي لكنيسة الدير المكتشفة. وبدأنا ببناء الدير الجديد وإعادة بناء الكنيسة.

مشروع التنقيب:

          يعود تاريخ بناء الدير إلى نحو القرن الخامس السادس الميلادي استناداً إلى معطيات أثرية ثابتة كبوابة الدير التي تعلوها زخارف جميلة وهو صغير الحجم كسائر الأديرة وذلك لغايتين: الأولى تحصيناً للمكان ولحمايته من الغزوات، والثانية تخشعاً عند دخول الدير، عندما تدخل من باب الدير تجد فوق البوابة حجر كبير كتب عليه بخط كوفي بدائي على الأغلب توصية من الأمير سيف الدولة يدعو فيها إلى حماية رهبان الدير وزواره من هجمات اللصوص وغيرهم وهي تعود في أغلب الظن إلى سنة 378هـ.  وقبر القديس وباب كنيسة الدير المصنوع من خشب الأرز والمزين بزخارف فريدة وهو معروض في متحف دمشق. تبلغ مساحة الدير المسطحة 450م مربع محصن بجدار عال من اللبن والطينة العربية تهدم قسم منه خلال الفترة الماضية. 

          وعندما ننظر نحو الجهة الشمالية للموقع نجد كنيسة الدير الأثرية المتواضعة في شكلها البسيطة في هويتها المعبرة في هندستها عن روحانية الجماعة وتراث المنطقة، وقد شيدت حول ضريح القديس اليان في القرن الخامس ميلادي على الأغلب.

          أما من الجهة الغربية فنجد بقايا للجدار ووراءه نجد مدافن أبناء الرعية.

          أما من جهة الشرق فإننا نجد برجاً مؤلفاً من غرفتين في الأسفل وغرفة في الأعلى مبني أيضاً من مادة اللبن والطينة العربية، هذا البناء الذي كان شبه متهدم هو أول عمل قمنا به منذ أن تعهدنا متابعة المشروع مع أبناء الرعية وكانت لنا خبرة فريدة ممتلئة فرح ورجاء نجده في عيون الأطفال والكبار. الغرفتين السفليتين أصبحتا نواة لمتحف نعرض فيه بعض اللقى الأثرية التي نجدها في الحفريات التنقيبية.

عندما ندخل من باب الدير الصغير نصعد بضع درجات فنجد أنفسنا بمستوى أعلى بمترين فوق المنسوب الطبيعي للأرض، مما دفعنا للاستنتاج بأن آثار البناء التاريخي للدير هو تحت هذا الردم الترابي وهذا منطقي إذ أن التلال والموقع الأثرية تشكلت وقد حوفظ عليها بفضل أسلوب الردم وإعادة البناء فوق المكان وذلك توفيراً للجهد والوقت إذ لم يكن يوجد آليات تساعد في أعمال إزالة الردم ولم يكن هناك حاجة لذلك إذ أن أسلوب العمارة القديمة كانت تعتمد على بناء مسطح ذو طابق واحد وبالأكثر طابقين مما لا يدعو إلى ضرورة حفر أساسات عميقة كما هو الحال اليوم.

          لذلك وجد الأثريون من هذا الموقع مسرحاً متميزاً لأعمال التنقيب.

          البداية كانت مع الدكتورة إيما لوسلي وهي خريجة جامعة لندن ومختصة بفن الكنائس الشرقية، والآنسة ورود ابراهيم مديرة المشروع ممثلة المديرية العامة للآثار والمتحف في دمشق.

          مشروع التنقيب تقدم داخل حرم الدير بتعاون مشترك سوري-بريطاني ملتزم صيف كل سنة.

          سنة 2004م بدأ العمل يتعقد ويصعب بقرار فك الكنيسة التي تعود إلى عام 1938م والتي كانت بحالة تصدع كبير وخطر وذلك لأجل فتح إمكانية العمل داخل المنطقة للكشف عن بقايا الكنيسة الأقدم.

المشروع الزراعي والاجتماعي:

          منذ ثلاثين عام ولا تزال كروم العنب المحيطة بالدير ترويها ماء القناة المتدفقة من الجهة الجنوبية الغربية. تلك النبع التي استخدمها الرهبان على مر العصور. وفي عام 1978م جفت النبع وانتهت بذلك الحياة الزراعية في تلك البقعة.

          في الواقع تقع القريتين في منطقة معروفة بجفافها الشديد(حوالي 100-150ملم من مياه الأمطار في السنة) وحيث كافة المزروعات تعتمد على الري، منذ بضع عشرات من السنين تكاثرت المراعي حول المدينة وامتدت المساحات المزروعة على امتداد الصحراء مما أدى إلى تدني مستوى المياه الجوفية المحيطة بالمدينة ولذلك للوصول إلى مستوى طبقة المياه الكافية للري يجب الحفر حتى مستوى عمق 150م في حيث نجد مياهاً كبريتية، بينما يجب الحفر حتى مستوى 400م للوصول إلى مستوى المياه القابلة للشرب.

          إن ندرة المياه التي تشكل عائق هام قد أخذت بعين الاعتبار ضمن المشروع الزراعي الخاص بمار اليان.

          في عام 1997 وبتوجيه من سيادة المطران مار باسيليوس موسى الأول داود تم حفر بئر في الناحية الشرقية من الدير، كما تم إيصال الكهرباء للمكان. وتم كذلك إطلاق مشروع زراعي في الأراضي التي تمتد على مساحة 65هكتار حول الدير حيث قام أفراد الرعية بزراعة عشرة هكتارات سبعة منها زرعت بأشجار الزيتون وهكتار واحد بالمشمش واللوز، وهكتار آخر بالعنب وسيجت كلها حراجية.

          تروى هذه الأراضي بحسب نظام الري بالتنقيط بإشراف مزارع. وفي سنة 2003 تم بناء خزان ماء سعته 40متر مكعب لتنظيم عملية الري بطريقة أفضل.

          سنة 2005 شهد النور مشتل صغير للنباتات العطرية والأعشاب الطبية التي يمكن لها أن تنمو بدعم مائي محدود.

          أما بما يتعلق بالمساحات المتبقية من أراضي الدير الغير المزروعة والتي من غير الممكن زراعتها حالياً بسبب عدم إمكانية الري، فقد اخترنا أن نوجه الدعوة لوزارة الزراعة للاهتمام بإيجاد حل لها، لاسيما وأن أعضاء فريق الإدارة يعمل على إعادة إحياء الحراج في سوريا من خلال زراعتها بأشجار ونباتات تتأقلم مع الجو الصحراوي الجاف.

          في عام 2004 قام فريق من من وزارة الزراعة بزراعة 25هكتار بنباتات رعوية كانت قد اختفت من المحيط بسبب الرعي المكثف والجفاف في حال نجحت زراعتها ونمت بشكل جيد فإنها ستشكل مرعى صغير لتربية الأغنام.

          إن زراعة شجرة في الصحراء هو عامل رجاء وربما لهذا السبب تعلق قلب أفراد الرعية بهذه الجزيرة الخضراء التي حاطت بالدير القديم أملنا أن تشكل هذه الجزيرة عامل تطوير للوعي البيئي في المنطقة إن السعي لإيجاد الوسائل للكفاح ضد التصحر بشكل علمي وفعلي سيفتح آفاقاً جديدة فما أجمل اللقاء للصلاة فيها أو لزيارة المتحف أو للنزهة في الحقول.

          إن تطور المشروع الزراعي سيشكل أيضاً مصدر رزق لعدد من العائلات في هذه المدينة ونسعى في المستقبل القريب لإطلاق مجموعة من المنتوجات ذات الجودة زيت زيتون، أعشاب مجففة عطرية وطبية، زيتون محضر بطريقة تقليدية، زبيب، مربى المشمش واللوز كما أن مخزن مار موسى المترتب افتتاحه عام2006 يسره أن يتبنَّى منتوجاتنا الثمينة هذه ولما لا نكمل هذه بصناعات تقليدية من إنتاج القريتين.

الحياة في الرعية:         

          في قلب حارة السريان في المدينة القديمة تقع كنيستا السريان الأرثوذكس وتعد 1300شخص، والسريان الكاثوليك في مدينة القريتين وعدد أفرادها 320 شخص.

          قربهما الجغرافي يعكس الروابط القوية التي توحد الرعيتين وكاهنيهما الأب الربان برصوم كساب وهو راهب وكاهن، وأبونا جاك مراد.

          نشاطاتهما المتنوعة والموزعة على الجماعتين، تؤمِّن للكنيسة التعليم الديني للأطفال كما وتعلمهم التاريخ الديني للمنطقة هذا بالإضافة للمخيمات الصيفية التي تعتبر فرصة هامة ومميزة في تكوين الجيل الجديد على النضج في مواهبه وشخصيته،فتبقى خبرة فريدة أساسها الفرح وغايتها الفرح. هذه النشاطات تساعد على تطوير روح الجماعة عند اِلأطفال كما أن الفقرات المحضرة من قبل الأطفال والمراهقين تشكل فرصة لاجتماع أبناء الرعية. من النشاطات المتميزة والتي يجد فيها الأطفال فائدة كبيرة وانسجام ملفت هو نشاطات حركية وفنية يقضون أحلى الأوقات معها مرتين في الأسبوع فترة بعد الظهر. ما تطمح إليه الرعية هو إمكانية خلق تعاون ومشاركة مع أبناء رعيتي صدد والحفر المجاورتين.

          وهكذا فإن باحة الرعية لا تنفك تمتلئ بضحكات الأولاد وصراخهم في حين يجتمع الأكبر سناً لاحتساء القهوة.

          للبالغين تنظم الكنيسة محاضرات من وقت لآخر حول مواضيع متعددة واجتماعات أسبوعية للنساء في كنيسة السريان الأرثوذكس بالإضافة إلى نشاط ملتزم من قبل بعض النساء والفتيات تشكلن جوقة الكنيسة.

          إن الكنيسة تعيش واقع ويوميات الناس وتشاركهم في أغلب مناسباتهم لتحافظ على رابط وحضور روحي يعتبر بركة لهم. أما الاحتفال بالأفخارستيا أي القداس الإلهي الذي تخصص له موعدان ثابتان يومي الجمعة بعد الظهر والأحد في الصباح الباكر فيشكل قلب الكنيسة كمؤسسة روحية وجوهرها. إن الرعية تعيش بحب وشغف والتزام الطقوس والرتب الليتورجية التي تعود إلى طقس الكنيسة السريانية وهي من أقدم التقاليد المسيحية في المشرق.

          ما خلا أبناء الرعية فإن أصحاب النية الطيبة تأتي لتزرع روح الحماس في حياة هذه الكنيسة اليومية وتلغي الشعور بالعزلة التاريخية، كهذه العائلة السويسرية مع فتاتهم الصغيرة.

          أشخاص آخرون من سورية وخارجها يأتون لمشاركة حياة الناس ومساعدتهم كل بحسب إمكانياته ومواهبه في مجالات متعددة كالمخيمات والتثقيف والزراعة....

          إن مار اليان هو نعمة لحياة سكان المنطقة إذ أنه مكرم من الجميع وفي عصر كل يوم بعض العائلات المسيحية والمسلمة تحج إلى الدير لقضاء وقت في الصلاة أو إضفاء بعد روحي على نزهة يخرجون فيها.

          التاسع من أيلول هو يوم هام في حياة أهل البلد، إنه عيد مار اليان، تخرج فيه المدينة متجهة نحو الدير في الصباح وأسراب الحافلات تأتي من عدة قرى ومدن في محافظة حمص وغيرها، لتجتمع حول أسقف الأبرشية للاحتفال بالقداس الإلهي بعد ذلك الجميع يتوجهون إلى صالة الرعية لتناول الغداء بفرح.

          إن التجديد الذي يشهده هذا الدير هو مصدر رجاء ليس فقط للمسيحيين من أبناء الرعية وإنما لكل أبناء البلدة. يكشف الدير الأثري القديم المتجدد أسرار ماضيه من خلال العمل الصبور لفريق التنقيب فيه. كما أن الأشجار المحيطة به تعطي ثماراً طيبة المذاق، وربما في المستقبل القريب سيحاط هذا القديس من جديد برهبان مصلِّين، مستقبلين للزوار والحجاج عاملين مع أبناء الرعية على إحياء هذا المكان وجعله من جديد منارة للمنطقة.

 

واجهة الكنيسة والممشى المؤدي إليها

 

السور الجنوبي للدير ويظهر في منتصفه مدخل الدير

 

بيوت قروانية (قبب) مستحدثة على مشارف الدير

 

الكنيسة من جهة الشرق وقت الغروب

 

تابعونا لمزيدٍ من الأخبار والتقارير، ولمزيد من الصور الجميلة والملفتة عن دير مار اليان في القريتين هذا الموقع الديني والأثري في بلدنا الغالي سوريا وأبرشيتنا العامرة

 

 

 

 

 

 

 

© 2009 - 2017 Syrcathoms.org All rights reserved - Developed by TWTWebstar